مصارف

من أين يأتي التضخم؟ مخاوف مابعد كورونا

يخشى بعض الاقتصاديين من أن تؤدي السياسة النقدية التوسعية، التي اتخذها البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والمصارف المركزية الأخرى لمواجهة أزمة كوفيد-19 إلى ارتفاع مستويات التضخم.

ويرى اقتصاديون أنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت عمليات الشراء الأخيرة للأوراق المالية من قبل المصارف المركزية ستؤدي إلى التضخم. ففي حين أن حجم عمليات شراء الأصول ومدتها هما عاملان مهمان للغاية، فالأهم من ذلك هو تأثير هذه المشتريات على إجمالي الكتلة النقدية في النظام المصرفي،كما يعتقد جون غرينوود، كبير الاقتصاديين في شركة إنفسكو.

زيادة الكتلة النقدية لتحفيز الاقتصاد

عادة ما تتم زيادة الكتلة النقدية في الاقتصادات الحديثة عن طريق الإقراض الذي تمنحه البنوك التجارية. فحين يقوم البنك بمنح قرض رهن عقاري أو قرض أعمال، فهو بذلك يولّد أصلًا جديدًا ويقرض حساب الودائع للمدين، وهو ما يؤدي إلى توليد أموال جديدة. ومع نمو الاقتصاد، يتم توليد المزيد من الأموال مما يزيد من حجم الكتلة النقدية في النظام المالي.

تقوم المصارف المركزية بدور هامشي في هذه العملية، إذ يتمثل دورها عادة في تحديد سعر الفائدة الذي يمثل دليلًا تسترشد به الجهات المقرضة والمقترضة حول مقدار الأموال التي يمكن إقراضها أو اقتراضها. ويقول غرينوود: “يمكن أن تتدخل المصارف المركزية لتحقيق الاستقرار في النظام المالي فقط في حال انهارت العملية المعتادة لتوليد الأموال من قبل البنوك التجارية. وفي هذه الحالة، تقوم المصارف المركزية بشراء الأوراق المالية طويلة الأجل من السوق الحرة بهدف زيادة الكتلة النقدية والسيولة، وتعرف هذه العملية باسم التسهيل الكمي”.

تدخّل المصارف المركزية

يهدد الانتشار السريع لفيروس كورونا وإجراءات الإغلاق الناتجة عن ذلك بانهيار النشاط الاقتصادي وتعطيل نظام الدفع بسبب إغلاق الشركات أو إفلاسها أو ارتفاع معدلات البطالة. وقد أدى ذلك لخلق متطلبات سيولة قصيرة الأجل حيث يعيد الأفراد والشركات حساباتهم لتقدير حجم الأموال التي سيحتاجون إليها لحين حدوث الانتعاش.  وتدخلت المصارف المركزية بالفعل (على غرار ما قامت به أثناء الأزمة الاقتصادية العالمية عامي 2008 – 2009) لتلبية الطلب على التمويل من قبل الشركات والأفراد على حد سواء من خلال شراء الأوراق المالية. وينظر إلى تدابير التسهيل الكمي على نطاق واسع على أنها مؤشر لبداية ارتفاع كبير في مستويات التضخم، مع احتمال ارتفاع الميزانيات العمومية للمصارف المركزية لمستويات تاريخية.

ويقول غرينوود بأن ضخ السيولة بكميات كبيرة ليس له تأثير تلقائي على التضخم، وإن المال الموجود بين أيدي الناس هو الذي يحرك التضخم، وليس المال الموجود في سجلات المصرف المركزي”. والحقيقة أن الإجراءات التي اتخذتها المصارف المركزية خلال الأزمة المالية العالمية أدت إلى استقرار النمو النقدي بمفهومه الواسع فقط، في حين بقيت معدلات التضخم بعد هذه الخطوة مستقرة دون 2% على أساس سنوي في معظم الاقتصادات الناشئة.

وأضاف: “تاريخيًا، حين تلعب المصارف المركزية دور ’الملاذ الأخير للإقراض‘ عندما يسود الذعر في الأسواق، فإنها تكون قادرة على توفير التمويل الإضافي اللازم لتهدئة هذا الذعر. وبمجرد أن تهدأ حالة الذعر، تقوم هذه المصارف بسحب النقد والودائع الزائدة تدريجيًا من النظام المصرفي، وقبل أن تسنح الفرصة لحدوث التضخم”.

كيف سيتم تمويل العجز

يكمن الفارق الوحيد في أزمة فيروس كورونا بأن ضخ كميات كبيرة من الأموال في النظام المالي ليس الغرض منه توسيع الميزانيات العمومية للمصارف المركزية، بل هو أيضًا ناتج عن الزيادة الضخمة في العجز والديون الحكومية نتيجة حزم التحفيز المالية. ومن هنا، فإن توقعات التضخم تعتمد على السياسات المالية والنقدية المشتركة، وكذلك على مدى إمكانية تحويل الدين الحكومي إلى أموال وتحت أية ظروف.

يعتبر الاقتراض أحد أساليب تمويل عجز الميزانية الحكومية. وإذا قامت الحكومات بتمويل الميزانية من خلال إصدار صكوك الدين، فلن يحدث التضخم إذا جرى الاقتراض من مؤسسات القطاع الخاص غير المصرفية بطريقة لا تؤدي لتوليد الأموال. إذ أن التضخم يحدث حين تشتري البنوك الأوراق المالية الحكومية، مما يؤدي لتوليد الأموال التي تعزز الإنفاق الإجمالي. ويقول غرينوود: “سينبغي على الهيئات المختصة إدارة حجم الدين الحكومي الذي تشتريه البنوك التجارية بعناية في حال أرادت الحدّ من نمو الكتلة النقدية بمفهومها العريض”.

كما يمكن أيضاً تمويل عجز الميزانية من خلال “طباعة النقود”، إما عبر الحفاظ على أسعار فائدة منخفضة جدًا بحيث تضطر البنوك لمنح المزيد من القروض، أو من خلال الحفاظ على أسعار صرف العملات منخفضة جدًا مما يزيد تدفقات الأموال من الخارج. قد يؤدي هذان الحلّان للتضخم نتيجة الزيادة السريعة في الكتلة النقدية بمفهومها العريض.

احتمالات التضخم

خلال الأسابيع الأربعة السابقة لتاريخ 23 مارس، سجّلت الكتلة النقدية بمفهومها العريض نموًا يزيد عن 60% سنويًا في الولايات المتحدة. وختم غرينوود: “في حال استمرت معدلات كتلة النقد بمفهومها العريض في النمو لفترة أطول، من ستة إلى 12 شهرًا على سبيل المثال، فلا شك بأن معدلات التضخم في الولايات المتحدة سترتفع على المدى المتوسط. ومع ذلك، ففي حال بدأت هذه المعدلات بالاستقرار خلال الفترة من ثلاثة إلى ستة أشهر القادمة لتقترب من مستويات طبيعية بحدود 6 -8% سنويًا، ما يناسب بشكل أكبر اقتصاداً كاقتصاد الولايات المتحدة، فلن تكون هناك زيادة كبيرة في معدلات التضخم”.

الوسوم
 المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق