طاقة و صناعة

الحكومات الخليجية تواجه صعوبات في التنويع بعيداً عن النفط والغاز

ذكر تقرير صادر عن ستاندرد آند بورز، أن دول مجلس التعاون الخليجي البحرين، والكويت، وعُمان، وقطر، والمملكة العربية السعودية، وأبوظبي (إحدى الإمارات السبعة لدولة الإمارات) تستفيد حالياً من الموارد الضخمة للنفط والغاز، التي تبلغ نحو 30% من الاحتياطات النفطية العالمية و20% من الاحتياطات العالمية للغاز (المصدر: التقرير الإحصائي للطاقة العالمية لشركة بي بي للعام 2017) مقارنةً بحجم عدد سكان لدى هذه الدول (أقل من 1% من عدد السكان في العالم). هذه الثروة الكبيرة من النفط والغاز والدخل الكبير الذي تجنيه هذه الدول منها حقق فوائض عامة لحكوماتها خلال الفترة السابقة، وأدى إلى انخفاض احتياجات التمويل الحكومية، وصافي مراكز الأصول الخارجية لدى معظم دول مجلس التعاون الخليجي. تأخذ وكالة “إس آند بي جلوبال للتصنيفات الائتمانية” بعين الاعتبار نقاط القوة الرئيسية تلك في تصنيفاتها الائتمانية السيادية لهذه الدول.

وهذا يعني بأن تركيز واعتماد اقتصادات الخليج على قطاع النفط والغاز، والذي بلغ في المتوسط 30% من الناتج المحلي الإجمالي و60% من إجمالي الصادرات خلال العامين 2015-2016 – حتى مع الأخذ بعين الاعتبار انخفاض أسعار النفط – يمكن أن تشكل عاملاً سلبياً للائتمان إذا لم تقابل بهوامش مالية كبيرة. وبالرغم من أن ارتفاع أسعار النفط يدعم الاقتصاد، نعتقد بأن توجهات الاقتصاد الضيق تكون أكثر عرضة لتقلبات دورة أعمال القطاع الرئيسية، مما يزيد من تلقب نموها، وإيراداتها الحكومية العامة، وإيرادات الحساب الجاري لديها.

لمحة عامة
·        تستفيد دول مجلس التعاون الخليجي حالياً من الموارد الكبيرة للنفط والغاز، إلا أن الاعتماد الكبير على إيرادات النفط والغاز يبقى يشكل خطراً ائتمانياً رئيسياً، من وجهة نظرنا.

·        وبالرغم من تنفيذ خطط التنمية الوطنية في المنطقة، ستواصل المعوقات الهيكلية في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي تقييد أي محاولات لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.

 

الحكومات الخليجية تبقى معتمدة على النفط والغاز

لتوضيح نقطة الضعف هذه، أدى الانخفاض الحاد في أسعار النفط – وصلت إلى أدنى مستوى لها 29 دولاراً أمريكياً في بداية العام 2016 (خام برنت) من أعلى مستوى وصلت إليه 115 دولاراً أمريكياً في منتصف العام 2014 – إلى تباطؤ كبير في الاقتصاد وإلى تراجع في الأرصدة المالية والخارجية للدول المُصدِّرة الصافية للنفط في منطقة الشرق الأوسط. تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة إلى متوسط بلغ 2.5% للفترة ما بين 2014-2016، نصف معدل الفترة الممتدة ما بين 2011-2013. بالمقابل، بدأت بعض الحكومات السيادية في المنطقة تسجيل عجز في الحساب الجاري والمالية العامة للحكومة خلال هذه الفترة، بينما كانت تحقق فوائض ثابتة قبل العام 2014.

إن نضوب موارد النفط والغاز في معظم الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي قد لايكون وشيكاً وتعمل نماذجها الاقتصادية الحالية بشكل جيد نسبياً. يتراوح عمر إنتاج النفط والغاز بالمستويات الحالية بحسب تقديرنا ما بين 98 عاماً لدى قطر و9 أعوام لدى البحرين (انظر الجدول 3 “توجهات التصنيفات الائتمانية السيادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمنتصف العام 2017” المنشور بتاريخ 12 يوليو 2017، للإطلاع على ملخص لبعض المؤشرات الرئيسية لانكشاف الحكومات السيادية لدول الخليج للنفط والغاز). مع ذلك، فإن فوائد التنويع بعيداً عن قطاع إيراداته تحركها إلى حد كبير أسعار السوق المتقلبة واضحة من حيث تحقيقها لنمو اقتصادي أكثر استقرراً، إلى جانب الإيرادات الحكومية وإيرادات التصدير. ونتيجةً لتأثير الانخفاض المستمر في أسعار النفط على المقاييس الاقتصادية، والمالية، والخارجية، قمنا بخفض تصنيفاتنا الائتمانية طويلة الأجل بالعملة الأجنبية لسلطنة عُمان (بمقدار خمس نقاط)، والبحرين (بمقدار أربعة نقاط)، والمملكة العريبة السعودية (بمقدار ثلاثة نقاط) خلال السنوات الثلاث الماضية (انظر “تاريخ التصنيفات الائتمانية السيادية” المنشور بتاريخ 12 يوليو 2017). وكذلك قمنا مؤخراً بخفض تصنيفنا الائتماني طويل الأجل بالعملة الأجنبية لدولة قطر بمقدار نقطة واحدة (انظر: “خفض التصنيف الائتماني طويل الأجل لقطر إلى AA-؛ ووضعها تحت المراقبة مع توجه سلبي بعد قطع ست دول عربية علاقاتها مع قطر” المنشور بتاريخ 7 يونيو 2017).

لقد عكس إجراء هذه التصنيفات أيضاً وجهة نظرنا بأن الحكومات السيادية الخليجية حققت تقدماً طفيفاً فقط في تنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط والغاز، لأن حجم مساهمة هذا القطاع في اقتصاداتها لا يزال كبيراً. وفي حين أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي ارتفع في المنطقة منذ العام 2000، شهد معدل النمو انخفاضاً تدريجياً خلال السنوات الثلاث الماضية تزامناً مع تراجع الناتج المحلي الإجمالي النفطي، مما يشير أيضاً إلى أن جهود التنويع لم تؤتي ثمارها حتى الآن، من وجهة نظرنا.

أعلنت الحكومات الخليجية عن خطط تنويع طموحة، بعضها قائم منذ عدة سنوات. وقد اكتسبت هذه الخطط مؤخراً زخماً جديداً بعد الانخفاض الحاد والمستمر في أسعار النفط. عموماً، قامت الحكومات بوضع خطط للتنمية الوطنية أو ما يطلق عليها في تلك الدول “الرؤى” بفترات تمتد ما بين 20 إلى 25 عاماً، عادة تتضمن استراتيجيات مدتها الوسطية خمس سنوات، والتي تساعد في تقييم ما إذا كانت البلاد على المسار لبلوغ أهدافها الاقتصادية قريبة المدى (انظر الملحق 1 للاطلاع على ملخص الخطط الحكومية).

تستهدف استراتيجيات الحكومات الخليجية بشكل عام التنويع من خلال توسيع قطاعات مثل السياحة، والأعمال، والخدمات المالية إلى جانب الخدمات اللوجستية. ومن وجهة نظرنا من المرجح أن يستغرق ذلك عقداً أو حتى الانتقال إلى جيل قادم. نعتقد أيضاً بأن المعوقات الهيكلية ستعرقل الانتقال إلى اقتصادات أكثر تنوعاً.

مع ذلك، هذا لا يعني القول بأن الحكومات الخليجية لا تمتلك المميزات التي تستفيد منها بالأساس كموقعها الجغرافي في قلب المنطقة، بين قارتي آسيا وأوروبا. ولهذا الغرض، قامت تلك الحكومات باستهداف صناعة الطيران من بين القطاعات الأخرى، من خلال الاستثمارات الكبيرة لكل من دبي، وأبوظبي، وقطر في المطارات، والطائرات، ومرافق خدمات الطيران. أصبحت المنطقة الآن مركزاً عالمياً لخطوط الطيران تربط بين أسواق السياحة الرئيسية، حيث صُنِّف مطار دبي في المرتبة الثالثة بين المطارات الأكثر ازدحاماً في العالم في العامين 2016 و2015 وفقاً لمجلس المطارات الدولي. ويكمن التحدي الآن في تحويل مسافري الترانزيت إلى سياح.

معوقات التنويع

نظام صرف العملة الأجنبية

نظراً إلى أن اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي مقومة بتدفقات الدولار الأمريكي المرتبطة بصادراتها من النفط والغاز، نعتقد بأن ارتباطها بسعر صرف الدولار الأمريكي (تجدر الإشارة إلى أن الدينار الكويتي مرتبط بسلة من العملات يُعتَقد بأنها مرتبطة بالدولار الأمريكي) يبقى ملائماً لاقتصاداتها، مما يوفر لها ركيزة اسمية للتضخم. نتوقع بقاء الارتباط على حاله في المدى المتوسط، لاسيما وأن صادراتها غير النفطية تبقى جزءاً محدوداً نسبياً من اقتصاداتها. مع ذلك، نرى بأن الارتباط يعيق قدرة اقتصادات دول الملجس المحدودة للتنافس على الأسعار في أسواق التصدير غير النفطية. بالنتيجة، يبقى تطوير الأنشطة المرتبطة بالقطاع غير النفطي ضعيفاً في ظل غياب أي تعويض عن مكاسب الكفاءة أو القدرة التكنولوجية.

وفي حال حدوث تطور في سوق التصدير غير النفطي في المنطقة، فإن مرونة سعر الصرف عادة تعمل كممتص للصدمات استجابة لشروط الصدمات التجارية، كالانخفاض الحاد في أسعار النفط. سينخفض سعر الصرف محسنناً القدرة التنافسية العامة لصادرات البلد غير النفطية ولدعم الإيرادات المالية بالعملة المحلية. يقول صندوق النقد الدولي بأن سعر الصرف الحقيقي الفعال المقوم بعدل يعد أساسياً للتنويع الاقتصادي (صندوق النقد الدولي، الاجتماع السنوي لوزراء المالية العرب، التنويع الاقتصادي في الدول العربية المُصدِّرة للنفط، أبريل 2016). ولكنه نتيجةً لارتباطات أسعار الصرف لديها، واصلت أسعار الصرف الفعالة الحقيقية لدول الخليج ارتفاعها بالرغم من الانخفاض الحاد في أسعار النفط (بنسبة 20% في المتوسط منذ يناير 2014، انظر الرسم البياني 1).

الرسم البياني 1

المناخ

يتسم المناخ عموماً في دول مجلس التعاون الخليجي بأنه صحراوي حيث يترواح متوسط درجات الحرارة السنوي ما بين 15 إلى 40 درجة مئوية. من جهة أخرى، يعتبر المناخ مساعداً للسياحة في معظم شهور السنة. ويقيد الارتفاع الحاد في درجات الحرارة تطوير الزراعة إلى جانب ندرة المياه والأراضي الصالحة للزراعة. بلغ متوسط نصيب الفرد من المياه المتجددة بحسب تقديرات البنك الدولي 76 متر مكعب في دول مجلس التعاون في العام 2014 مقارنةً مع المتوسط العالمي البالغ 5,925 متر مكعب، ويبلغ متوسط نسبة الأراضي الصالحة للزراعة 1% من إجمالي المساحة البرية في المنطقة مقارنةً مع متوسط النسبة العالمية البالغ 11%. تستورد دول الخليج معظم احتياجاتها من المواد الغذائية تقريباً ومعظم السلع الاستهلاكية والرأسمالية الأخرى. مع ذلك، فإن تطوير الزراعة، إلى جانب القطاعات الأولية الأخرى، غالباً ما يسبق التحول إلى التصنيع (القطاع الثانوي) والخدمات (القطاع الثالث). ونظراً للتحديات الجغرافية التي تواجهها اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، فإنها لم تتطور بما يتماشى مع هذه النظرية.

بدلاً من ذلك استفادت حكومات دول المجلس من المزايا التنافسية التي تتمتع بها، والتي تكمن من دون شك في قطاع النفط والغاز. استخدمت دول الخليج مستويات عالية من ثروة النفط والغاز لدعم النمو الاقتصادي من خلال التوظيف في القطاع العام والمشاريع الاستثمارية الرأسمالية. وبنفس الوقت، تطورت قطاعات السلع والخدمات التي يحركها المستهلك.

التعليم والمهارات

نظراً للانخفاض في أسعار النفط والضغط على المالية العامة، تحاول حكومات دول مجلس التعاون الخليجي تحفيز التنويع الاقتصادي بقيادة القطاع الخاص. من وجهة نظرنا، هذا سيتطلب تعزيز مهارات القوى العاملة في دول الخليج. من المرجح بأن تكون فقط الوظائف ذات الأجور المرتفعة في القطاع الخاص هي الجذابة لإغراء المواطنين للابتعاد عن العمل في القطاع العام، في ظل استبعاد حدوث انخفاض حاد في أجور القطاع العام. مع ذلك، تبقى المجالات التي سيتم فيها استحداث فرص العمل في القطاع الخاص غير واضحة. بكل الأحوال ستحتاج العمالة المحلية إلى الكثير من التدريب والتعليم لكي تكون مؤهلة لهذه الوظائف. إن الاستثمار في التعليم سيستغرق وقتاً حتى يؤتي ثماره، من وجهة نظرنا.

يمكن اعتبار متوسط عدد السنوات التي يتم قضاؤها في المدرسة حول العالم كمثال عن رأس المال البشري الذي يمتلكه السكان في وقت ما. بهذا الخصوص، تُظهر البيانات بأن التعليم يتوسع باستمرار في دول مجلس التعاون الخليجي. واصل متوسط عدد السنوات التي يتم قضاؤها في المدرسة ارتفاعه في المنطقة وتخطى معدل النمو متوسط معدل النمو العالمي. مع ذلك، لا يزال على دول مجلس التعاون الخليجي القيام ببعض الخطوات البسيطة (انظر الرسم البياني 2).

الرسم البياني 2

بالرغم من أن توسيع التعليم من المرجح أن يؤدي إلى تشجيع التنوع الاقتصادي، إلا أنه لا يزال على دول الخليج الكثير للقيام به فيما يتعلق بتحسين جودة التعليم، وتحديداً ما يتعلق بمخرجات التعليم وجودة التدريس. وبهذا الصدد تقوم الرابطة الدولية لتقييم التحصيل العلمي من خلال دراسة التوجهات الدولية في الرياضيات والعلوم ودراسة التقدم الدولي في القراءة، على التوالي، بتقييم ومقارنةً المعرفة في الرياضيات والعلوم إلى جانب القراءة ومحو الأمية لدى الطلاب حول العالم. تشير آخر الدراسات التي أجريت في العام 2015 لدراسة التوجهات الدولية في الرياضيات والعلوم وفي العام 2011 لدراسة التقدم الدولي في القراءة، إلى أن دول الخليج عموماً متأخرة في التحصيل العلمي، حتى ولو أن إمارة دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة كانت تتفوق باستمرار على المتوسط العالمي في ترتيبها في دراسة التوجهات الدولية في الرياضيات والعلوم (انظر الجدول 1). وبالتالي، بينما ارتفع عدد السنوات التي يتم قضاؤها في المدرسة في المنطقة، إلا أنه قد تكون هناك حاجة لمعالجة نقاط الضعف الهيكلية في النظام التعليمي قبل تطوير عمالة ذات مؤهلات ومهارات قادرة على المنافسة على الصعيد الدولي.

الجدول 1

تقييمات دراسة التوجهات الدولية في الرياضيات والعلوم (TIMMS) ودراسة التقدم الدولي في القراءة (PIRLS)
كلما كانت الدرجات أعلى كلما كان التقييم افضل
درجات الصف الرابع
دراسة التوجهات الدولية في الرياضيات والعلوم (2016) (TIMSS) دراسة التقدم الدولي في القراءة (2011) PIRLS))
الرياضياتالعلوممحو الأمية
الدول الأخرى ذات الدخل المرتفعسنغافورة618590567
الولايات المتحدة الأمريكية539546556
المملكة المتحدة546536552
كندا511525548
هولندا530517546
أستراليا517524527
مقياس النقطة المركزية500500500
دول مجلس التعاون الخليجيالإمارات العربية المتحدة452451439
البحرين451459N/A
قطر439436425
عُمان425431391
المملكة العربية السعودية383390430
الكويت353337419*

* المشاركون من الصف السادس. المصدر: مركز دراسة التوجهات الدولية في الرياضيات والعلوم ودراسة التقدم الدولي في القراءة للرابطة الدولية لتقييم التحصيل العلمي

 

الانفتاح على ممارسة الأعمال

قامت معظم دول مجلس التعاون الخليجي بإجراء إصلاحات صديقة للأعمال كإنشاء مناطق للتجارة الحرة، والحوافز الضريبية، وتخفيف القيود الجمركية وغير الجمركية بهدف جذب التدفقات الاستثمارية الأجنبية وتعزيز النمو الاقتصادي بشكل أكبر في القطاعات غير القائمة على الموارد. وبهدف تعزيز الانفتاح على الأعمال في المنطقة،

فإنه من المتوقع أن تساعد الإصلاحات في تحسين مقياس المسافة من الحد الأعلى للأداء. هذا المقياس يقيس مسافة كل اقتصاد إلى “الحد الأعلى للأداء”، والذي يمثل أفضل أداء تم تسجيله لدى كل المؤشرات في جميع الاقتصادات في عينة “قياس أنشطة الأعمال” للبنك الدولي منذ العام 2005. مع ذلك، فقد اختلفت الديناميكيات على الصعيد الإقليمي خلال العقد الحالي، حيث حافظ الأداء على تحسنه في دولة الإمارات العربية المتحدة فيما تراجع لدى كل من قطر، والكويت، وعلى وجه الخصوص في المملكة العربية السعودية. نرى بأن توقف تنفيذ الإصلاحات الصديقة للأعمال الذي شهدته الدول المجاورة لدولة الإمارات العربية المتحدة سيقيد على الأرجح التدفقات الداخلة لرأس المال الأجنبي، مما سيحد من قدرة دول الخليج على تحفيز النمو الاقتصادي الذي يحركه القطاع الخاص.

الرسم البياني 3

 

 

 

جاذبية العمل في القطاع العام

تمكنت حكومات مجلس التعاون الخليجي نظراً للحجم الصغير نسبياً لعدد السكان والإيرادات الكبيرة المتأتية من النفط والغاز من الحفاظ على نظام من الدعم طويل الأمد من القطاع العام لمواطنيها. تضمّن ذلك توفير الكهرباء، والتعليم، والرعاية الصحية والسكن بشكل مجاني، بالإضافة إلى التوظيف الواسع النطاق للمواطنين في القطاع العام (تظهر بيانات المقارنة لصندوق النقد الدولي للفترة ما بين العامين 2013 و2014 بأن نسبة توظيف المواطنين في القطاع العام تراوحت ما بين 37% في البحرين إلى 87% في قطر). يستفيد العاملون في القطاع العام حالياً من مميزات كبيرة مقارنةً بالعاملين في القطاع الخاص، مع رواتب مرتفعة وزيادة الأمن الوظيفي، مما يسهم في محدودية كفاءة سوق العمل كون أن جاذبية القطاع العام أدت إلى تراجع الحوافز لدى المواطنين المحليين للتقدم للعمل في القطاع الخاص. وبالتالي، نظراً لارتفاع مستوى المعيشة والتوازن بين الحياة والعمل نسبياً لدى السكان المحليين، فإن تطوير قطاع صناعي أو خدمي تنافسي يحتاج لعمالة كبيرة قادر على جذب المواطنين العاملين في القطاع العام بعيداً عن هذا القطاع يبدو أنه يشكل تحدياً كبيراً. وإذا لم يتم معالجة هذه الضغوط الاجتماعية فإنها ستؤدي إلى الحد من إمكانية التنويع الاقتصادي. قامت حكومات مجلس التعاون الخليجي بتحفيز سياسات إدخال الحصص، من بين إجراءات أخرى، لتشجيع استبدال الموظفين الوافدين العاملين في القطاع الخاص بمواطنين. مع ذلك، نرى بأن ذلك لا يعالج مسألة عدم تطابق المهارات بين المواطنين والوظائف في القطاع الخاص.

بصرف النظر عن تقييمنا، تهدف المملكة العربية السعودية لامتلاك إحدى أكبر 25 شركة للدفاع في العالم بحلول العام 2030، ستؤدي إلى إيجاد 40,000 فرصة عمل في قطاع الصناعة في المجالين الهندسي والفني. وتعتزم الحكومة عقد شراكات مع الجامعات السعودية لتزويد السكان المحليين بالمهارات اللازمة. تعتبر المملكة العربية السعودية واحدة من أكبر خمسة دول إنفاقاً على الأمن والدفاع في العالم، إلا أن مشترياتها العسكرية المحلية تبلغ نحو 2% فقط من إجمالي مشترياتها العسكرية. نرى بأن تطوير هذا النوع من الصناعة سيحقق بعض النجاح، ولكن لكي تصبح رائداً في التنكولوجيا العسكرية، فإن ذلك قد يشكل تحدياً من وجهة نظرنا، نظراً للعجز الحالي في التحصيل العلمي ونقص الكفاءة الصناعية اللازمة للقيام بذلك.

تشكل المرأة نتيجةً للأعراف الاجتماعية جزءاً محدوداً أيضاً من القوى العاملة حيث بلغ متوسط نسبة مشاركة النساء اللاتي يبلغن 15 عاماً وأكثر 38.7% في العام 2016، بينما يبلغ متوسط مشاركتها في الدول الأخرى ذات الدخل المرتفع نحو 52% (المصدر: منظمة العمل الدولية). في موازاة ذلك، تفوقت نسبة التحاق النساء اللاتي يبلغن 15 عاماً وأكثر في التعليم العالي (الثانوي والعالي) على الرجال (المصدر: قادعدة بيانات بارو لي للتحصيل العلمي)، مما يشير إلى أن الاستفادة من المواهب مقيد حالياً في المنطقة.

إن تغيير هذه الأعراف الاجتماعية للحد من التوظيف في القطاع العام، وزيادة التوظيف في القطاع الخاص، وتشجيع مشاركة النساء في سوق العمل لن يكون بالأمر السهل، من وجهة نظرنا.

تشابه خطط التنويع

إن تطوير القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، مثل الخدمات المالية يمكن أن يكون أحد طرق تعزيز التنويع الاقتصادي، نظراً لقدرته على توفير فرص عمل بأجور مجزية، مصممة لتناسب مستويات المعيشة المرتفعة نسبياً لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي. نجحت دبي في تطوير أنشطة غير معتمدة على النفط وأصبحت الآن مركزاً مالياً وممراً في المنطقة عبر مطاراتها وموانئها ومناطقها الحرة، بالإضافة إلى امتلاكها إحدى أكبر شركات الطيران بحسب حركة المسافرين الدولية (طيران الإمارات)، لكن الوافدون يشكلون غالبية القوى العاملة في دبي. إن إحدى التحديات الرئيسية الذي تواجه الاقتصادات الأكبر، كالمملكة العربية السعودية، هي كيفية خلق فرص عمل مرتفعة الأجر نسبياً وكيفية توجيه طاقاتها البشرية الشابة والمتنامية للعمل في هذه الوظائف.

مع ريادة دبي في هذا المجال، فإن تطوير اقتصاد تنافسي لقطاع الخدمات قد يزيد من مخاطر تطور اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي على حساب بعضها الآخر. هذا لا يعني القول بأنه لن يكون هناك منافسين، لكن العديد من خطط التطوير للحكومات الخليجية تستهدف نفس المجالات كالسياحة، والخدمات المالية، والخدمات اللوجستية (انظر  الملحق 1). من وجهة نظرنا، هذا قد يؤدي إلى تداخلات كبيرة في تزويد هذه الخدمات. تعتبر دبي حالياً مركز السوق المالية في المنطقة مع حلولها في المرتبة 25 لمؤشر المراكز المالية العالمية في شهر مارس 2017 لشركة زاي/ين جروب لمتد والاعتراف بالريادة العالمية للمركز المالي، في كل من الخدمات المالية العامة والعميقة وعلاقاته مع العديد من المراكز المالية الأخرى. مع ذلك، لم يكن ترتيب أبوظبي متأخراً كثيراً، وصنفت عميقة نسبياً، في المرتبة 28، جاءت بعدهما الدوحة في المرتبة 39، والبحرين في المرتبة 57، والرياض في المرتبة 76.

التنويع يبقى هدفاً

نرى بأن التحديات التي تواجه التنويع الاقتصادي لدى دول الخليج تبقى كبيرة وبأن خطط الحكومات الممتدة لـ 20 و30 عاماً طموحة، مع الحاجة لإحراز تقدم كبير إذا ما أريد لهذه الخطط أن تتحقق. وبهدف تعزيز تطوير القطاع الخاص، ستكون اقتصادات دول الخليج قادرة على التخفيف من تعرضها للتقلبات السلبية لأسعار النفط وتعزيز النمو الاقتصادي طويل الأجل، والتي نرى بأنها تشكل عوامل دعم لتصنيفاتها الائتمانية.

إن ارتباط سعر الصرف والمناخ في هذه الدول لا يتماشيان مع خطة النمو التي قادها النمو الذاتي لقطاع الصناعة الذي شهدته دول أخرى معتمدة على النفط والغاز عندما توجهت نحو التنويع. قد يسهم تحسين التعليم والقيام بتغييرات مجتمعية على نطاق أوسع في دعم تطوير القطاع الخاص أيضاً. حتى اليوم حققت أنشطة التكرير والتوزيع نجاحاً كبيراً، ولكنّ مكامن المزايا التنافسية للمنطقة، خارج نطاق النفط والغاز، تبقى غير واضحة. أصبحت دبي نموذجاً لما يمكن تحقيقه، ولكن إجراء المزيد من التطوير على الخدمات المالية، والخدمات اللوجستية، والسياحة يمكن أن يؤدي إلى حد ما إلى تفكيك نجاح الشركات الراسخة.

الملحق 1

خطط التنويع: ملخص لبعض أهم الإجراءات
الحكومةالبحرينعُمانالمملكة العربية السعوديةالكويتقطرالإمارات العربية المتحدة
الرؤية الحاليةرؤية 2030رؤية 2020رؤية 2030رؤية 2035رؤية 2030رؤية 2021
الخطة الوسطية الحاليةاستراتيجية التنمية الوطنية

(2015-2018)

الخطة الخمسية التاسعة (2016-2020)برنامج التحول الوطني (2016-2020)خطة التنمية الخمسية متوسطة المدى (2015/16-2019/20)استراتيجية التنمية الوطنية الثانية (2017-2022)الأجندة الوطنية (2014-2021)
القطاعات الرئيسية التي تقود جهود التنويعالخدمات المالية، خدمات الأعمال (الاحترافية والصناعية)، التصنيع (الألمنيوم، المواد الغذائية والمرطبات، (المواد الكيميائية والبلاستيكية)، والخدمات اللوجستيةالتصنيع، النقل، الخدمات اللوجستية، السياحة، صيد الأسماك، والتعدينالسياحة والترفيه، الطاقة المتجددة، المعدات الصناعية، تكنولوجيا المعلومات، التعدين، النفط والغازالمالية، التجارة، السياحة، الشركات الصغيرة والمتوسطةالشركات الصغيرة والمتوسطة، البحث والتطوير، تكنولوجيا المعلومات، الاتصالات، القطاع الماليالسياحة والتجارة
بعض الأهداف الكمية الرئيسية
ضمان امتلاك كل أسرة بحرينية ضعف الدخل المتاح على الأقل – بالقيمة الحقيقية – بحلول العام 2030نمو متوسط الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 3%. أن تكون مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي أقل من 30%. استثمارات مقررة بقيمة 41 مليار ريـال عُماني (52% منها ممولة من القطاع الخاص) خلال فترة الخطة.إيجاد أكثر من 450,000 فرصة عمل في القطاعات غير الحكومية بحلول العام 2020. تحقيق ميزانية متوازنة بحلول العام 2020 من خلال زيادة الإيرادات غير  النفطية بأكثر من ثلاثة أضعاف. رفع مشاركة المرأة إلى أكثر من 30%. زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 70 مليار ريـال سعودي من 30 مليار ريـال سعودي. زيادة الصادرات غير النفطية إلى 330 مليار ريـال سعودي من 185 مليار ريـال سعودي. تحسين التصنيف في مؤشر تسهيل ممارسة الأعمال: إلى المرتبة 20 من المرتبة 82.أن تكون الكويت ضمن الـمرتبة المئوية 30 بحلول العام 2025 والمرتبة المئوية 20 بحلول العام 2035 في 20 مؤشر بما فيها: مؤشر تسهيل ممارسة الأعمال، مؤشر  تطور الأعمال، مؤشر أداء سوق العمل.تسريع وإنجاز هدف قطر في مجالي البحث والتطوير ليساهم في 2.8% من الناتج المحلي الإجماليزيادة حصة الفرد من إجمالي الدخل الوطني بنسبة 65% . مساهمة اقتصاد المعرفة بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2021.

 

الوسوم
 المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق